عبد الملك الجويني
85
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقال في التقريب : إن جعلنا يمين الرد كالإقرار ، فلا يمين على مدعي البيع ، لإقراره بزوال ملكه ، ومن أقر بزوال ملكه ، لم يسمع إقراره بالزوجية ( 1 ) . وقال الإمام : إن قبلنا رجوع المقر عن الإقرار ( 2 ) ، فالحكم ما ذكره الأصحاب ، وإن لم نقبل رجوعه ، فالحكم ما ذكره صاحب التقريب . قلت ( 3 ) : الوجه ما ذكره الأصحاب ؛ لأنا إنما رددنا الإقرار بالتزويج بعد زوال الملك لما فيه من الإضرار بالمالك ، وهاهنا لا ضرر على مدعي الزوجية في تصديقه عليها ، والحق لا يعدوهما . والتفريع على ما ذكره الأصحاب ، فإذا حلف كل منهما على نفي ما ادُّعي به عليه ، فإن كان التنازع قبل الوطء ، أو بعده وقبل الإحبال ، فهل لمدعي البيع أن يفسخه ، لتعذر الثمن ، كما يفسخ في صورة الإفلاس ، أو يخرّج على الظفر بغير الجنس ؟ فيه وجهان ، وهل ينتزع الحاكم المهر ليحفظه ، أو يتركه بيد الواطىء ؟ فيه وجهان . وأيهما نكل عن اليمين ، حلف الآخر يميناً للنفي ، وأخرى للإثبات ، وأبعد القاضي ، فاكتفى بيمين تجمع النفي والإثبات . وإن كان التنازع بعد الاستيلاد ، فلا تعلق لمدعي البيع بالجارية ، ويعتِق ولدُها ، ويثبت لها حكم الاستيلاد ، لاعتراف المالك بجميع ذلك ، ولمدّعي التزويج أن يطأها في الباطن ، وكذا في الظاهر على الأصح ، وأبعد من أطلق وجهين ، ولم يفرق بين الباطن والظاهر .
--> ( 1 ) هناك خلاف - سيأتي تفصيله في كتاب الدعاوى والبينات - في عدّ يمين الرد بمنزلة البينة ، أو بمنزلة الإقرار ، وبكل منها تنقطع الخصومة . فإذا اخترنا جَعْلَ يمين الرد إقراراً ، فلا يمين على مدعي البيع ؛ لأنه مقر بزوال ملكه ، فعلى تقدير النكول ، وفصل الخصومة بيمين الرد ، نكون جعلناه قد أقرّ بتزويج أمةٍ لا يملكها ، ومثل هذا الإقرار لا يسمع . هذا مأخذ كلام صاحب التقريب ، وبيان مبناه ومعناه . ( 2 ) علق الإمام ( إمام الحرمين ) قبول قول صاحب التقريب على حكمنا بأن رجوع المقر عن إقراره لا يقبل ، أما إذا قبلنا رجوع المقر عن إقراره ، فلا مانع من أن يحلف مدعي البيع - كما ذكره الأصحاب ، وتكون يمين الردّ - إذا فصلت بها الخصومة - إقراراً آخر رجع به عن إقراره الأول . ( 3 ) " قلت " : القائل هو العز بن عبد السلام .